الراغب الأصفهاني
21
تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين
وعوده وورقه أو كالنخل والكرم فيما يؤتي من النفع أو كالكشوت « 1 » في عدم الخير أو كالحنظل في خبث المذاق وعلى هذا نبه اللّه تعالى بقوله ( مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ « 2 » مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ ) ويظهر تارة في شعار الحيوانات المحمودة والمذمومة فيصير اما كالنحل في كثرة منافعه وقلة مضاره وفي حسن سياسته قال اللّه تعالى ( وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ) أو كالطير المسمى بأبي الوفا أو كالخنزير في الشره أو كالذئب في العيث أو كالكلب في الحرص أو كالنمل في الجمع أو كالفار في السرقة أو كالثعلب في المراوغة أو كالقرد في المحاكاة أو كالحمار في البلادة أو كالثور في الفظاظة وعلى هذا النحو من المشابهات دل اللّه بقوله ( وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ) ويظهر تارة في شعار الشياطين فيغوي ويضل ويسول بالباطل في صورة الحق كما دل اللّه تعالى بقوله ( شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً ) وإنما يكون إنسانا إذا وضع كل واحد من هذه الأشياء في موضعه حسب ما يقتضيه العقل المرتضي المستبصر بنور الشرع
--> ( 1 ) الكشوت بفتح الكاف وضعها : نبت يتعلق بالأغصان لا عرق له ولا ورق ولا نسيم ولا ظل ولا زهر وهو يفسد الثمار ويفر الأشجار ( 2 ) الجث القطع أو انتزاع الشجر من أصله